السيد علي عاشور
94
موسوعة أهل البيت ( ع )
قد سمعت ، واللّه ما أراد بها غيرك ، قال . فما ترى ؟ قال : أرى أن ترجع إلى ما كنت عليه ، فقد نقض ما كان بينه وبينك . فقال : يا مسيّب ، إني لو أردت بما فعلت الدّنيا لم يكن معاوية بأصبر عند اللّقاء ، ولا أثبت عند الحرب مّني ، ولكني أردت صلاحكم ، وكفّ بعضكم عن بعض ؛ فارضوا بقدر اللّه وقضائه ، حتى يستريح برّ ، أو يستراح من فاجر . قال المدائنيّ ودخل عبيدة بن عمرو الكنديّ على الحسن عليه السّلام - وكان ضرب على وجهه ضربة وهو مع قيس بن سعد بن عبادة - فقال : ما الذي أرى بوجهك ؟ قال : أصابني مع قيس . فالتفت حجر بن عديّ إلى الحسن ، فقال : لوددت أنك كنت متّ قبل هذا اليوم ، ولم يكن ما كان ، إنّا رجعنا راغمين بما كرهنا ، ورجعوا مسرورين بما أحبّوا . فتغيّر وجه الحسن ، وغمز الحسين عليه السّلام حجرا ، فسكت ، فقال الحسن عليه السّلام : يا حجر ، ليس كلّ الناس يحبّ ما تحبّ ولا رأيه كرأيك ، وما فعلت إلّا إبقاء عليك ، والله كلّ يوم في شأن . قال المدائنيّ : ودخل عليه سفيان بن أبي ليلى النّهديّ ، فقال له : السّلام عليك يا مذلّ المؤمنين ! فقال الحسن : إجلس يرحمك اللّه ، إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رفع له ملك بني أميّة ، فنظر إليهم يعلون منبره واحدا فواحدا ، فشقّ ذلك عليه ، فأنزل اللّه تعالى في ذلك قرآنا قال له : وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ « 1 » . وسمعت عليّا أبي يقول : سيلي أمر هذه الأمة رجل واسع البلعوم ، كبير البطن ، فسألته : من هو ؟ فقال : معاوية . وقال لي : إنّ القرآن قد نطق بملك بني أميّة ومدّتهم ، قال تعالى : لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ « 2 » ، قال أبي : هذه ملك بني أمية . قال المدائني : فلمّا كان عام الصلح ، أقام الحسن عليه السّلام بالكوفة أيّاما ، ثم تجهّز للشخوص إلى المدينة ، فدخل عليه المسيّب بن نجبة الفزاريّ وظبيان بن عمارة التيميّ ليودّعاه ، فقال الحسن : الحمد للّه الغالب على أمره ؛ لو أجمع الخلق جميعا على ألّا يكون ما هو كائن ما استطاعوا . فقال أخوه الحسين عليه السّلام : لقد كنت كارها لما كان ، طيّب النفس على سبيل أبي حتى عزم عليّ أخي ، فأطعته ، وكأنما يجذّ أنفي بالمواسي ، فقال المسيّب : إنه واللّه ما يكبر علينا هذا الأمر إلّا أن تضاموا وتنتقصوا ، فأمّا نحن ، فإنهم سيطلبون مودّتنا بكل ما قدروا عليه ، فقال الحسين : يا مسيّب ، نحن نعلم أنك تحبّنا ، فقال الحسن عليه السّلام : سمعت أبي يقول : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : « من أحبّ قوما كان معهم » ، فعرض له المسيّب وظبيان بالرجوع ، فقال : ليس [ لي ] إلى ذلك سبيل ، فلمّا كان من غد خرج ، فلمّا صار بدير هند نظر إلى الكوفة ، وقال :
--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 60 . ( 2 ) سورة القدر ، الآية : 3 .